!
عدت
لواشنطن وفاجأتني أمطار يونيو المباغتة. تذكرتُ بحسرة
كبيرة الشمس التي تحتضن معظم مدن المغرب حاليا. تذكرتُ
لحظات الوداع القاسية بالمبنى الجديد بمطار محمد الخامس.
نظافة المكان المخصّص للمسافرين إلى الولايات المتحدة
وكندا وترتيبه كانت مفاجأة جميلة للمغادرين الذين كانوا
يغالبون دموعهم السخية.
ابتسامة مسؤولي الأمن المنتشرين بالمكان كانت عزاء
للمسافرين الذين خلـّفوا وراءهم أحباءهم يلوّحون
ويغالبون بكاءهم الصامت بحياء! معظم العائدات من المغرب
كن مزينات الأيدي بالحناء حتى الأجنبيات منهن كن يبرزن
كواحلهن البيضاء المتخمة المصبوغة بلون الحناء القاني!
أعترف بأن رحلة العودة إلى الولايات المتحدة كانت من
أفضل رحلاتي مع الخطوط الملكية المغربية على الإطلاق.
فريق المضيفات كان خدوما للغاية رغم تسلل بعض الركاب
لكابينة الأكل وسطوهم على قارورات المشروبات الروحية دون
حياء!. لم تكد الطائرة تغادر أرض المطار حتى غاص قلبي في
بركة من الدموع المالحة وفاجأني إحساس اليـُتم الذي
ينتابني عند كل مغادرتي للمغرب بعد زيارة قصيرة أضع لها
أهدافا كثيرة في الأول قبل أن أدرك استحالة تحقيقها بسبب
ضيق الوقت.
المرأة الجالسة بقربي كانت سيدة مسنة تلبس جلبابا أبيض
يزيدها وقارا و بدت متحمّسة جدا لرؤية ابنتها التي تعيش
بشيكاغو منذ سنوات. لم تتوقف عن سؤالي طوال الرحلة عن
تفاصيل عملية عبور الجمارك واستلام الأمتعة وتفاصيل
الحياة بالولايات المتحدة. بريق أسنانها المذهّبة كان
يكشف ابتسامتها الحنون كلما طمأنتها بأن حجابها أو غطاء
رأسها وجلبابها لن يشكلا أي مشكل أمامها للاستمتاع
بأميركا وأن الناس هناك لا يهتمون بالمظاهر وكل يعيش
حياته على هواه! إحساس اليُتم البارد الذي يلف قلب
المهاجر البعيد لا يفهمه غير مهاجر مثله لهذا سارعت
بالاتصال بصديقة مغربية فور عودتي كي نعزّي بعضنا....ا